بيان حول مؤتمر الحوار، وفتاوى التكفير
كتبهاahmad alkatib ، في 23 يونيو 2008 الساعة: 23:57 م
بيان حول مؤتمر الحوار، وفتاوى التكفير
قامت رابطـة العالـم الإسلامـي، وبدعوة من عاهل المملكة العربية السعودية خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، بعقد مؤتمر للحوار الإسلامي العالمي في مكة المكرمة من30/5إلى 2/6/1429هـ تأكيدا لخط الرابطة التي تسعى من أجل توحيد العالم الإسلامي. وجاء هذا المؤتمر ليمهد للحوار بين المسلمين ويفتح الباب أمام الحوار حتى مع غير المسلمين من اليهود والنصارى وأصحاب الفلسفات والثقافات المختلفة. وقد تقرر أن تعقد الرابطة مؤتمرا آخر في مدريد في 16 تموز القادم لهذا الغرض.
وقد بحث مؤتمر مكة المكرمة مشروعية الحوار ، ومسوغاته والنصوص الشـرعية الوفيرة التي تدعو إليه وتقعِّد له، وترسم آدابه، وأصَّل الدعوة للتواصل والحوار بين أتباع المذاهب الإسلامية سعياً إلى وحدة الأمة ، والتخفيف من آثار العصبية والخصومة.وأكد على ضرورة إشاعة ثقافة الحوار في المجتمعات الإسلامية، وحذر من دعوات صراع الحضارات وانعكاساتها الخطيرة على السلم العالمي. ودعا لذلك للتعرف على غير المسلمين وثقافاتهم، وإرساء المبادئ المشتركة معهم، ومواجهة ثقافة الكراهية بين الشعوب، والدعوات العنصـرية الفاسدة التي تحض معتنقيها على كراهية غيرهم والاستعلاء عليهم؛ تلك الدعوات التي تقوض الأمن والسلم العالميين، وتتنافى مع الرسالات الإلهية والمواثيق الدولية، والنظر إلى هذه الدعوات على أنها جريمة تهدد التعايش السلمي بين الشعوب. والتصدي لظاهرة الإرهاب والعنف والغلو والتكفير، والتعاون عالمياً على مواجهتها عبر مختلف الوسائل.
ومن هنا فقد اعتبر مؤتمر مكة المكرمة الإسلامي العالمي للحوار، منعطفا جديدا ومهما في تاريخ المملكة العربية السعودية التي كانت تتهم بالانعزال والتشدد والتطرف والتكفير ، ولا سيما أن دعوة الحوار جاءت على لسان المفتي العام للمملكة العربية السعودية سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، الذي أكد على ضرورة الحوار بين البشر واعتبره من ضروريات الحياة ووسيلة للتعارف والتعايش وتبادل المصالح بين الأمة.
ونحن في جمعية الحوار الحضاري إذ نؤيد هذه الدعوة المباركة للحوار بين المسلمين وغيرهم، نعتقد أن أهمية الدعوة للحوار تأتي من أهمية المملكة العربية السعودية ودورها القيادي الكبير في العالم الإسلامي، وانعكاس استراتيجية الحوار على العلاقات الإسلامية الداخلية بين الشعوب والدول والطوائف والأحزاب المختلفة، نظرا لما للسعودية من تأثير كبير على شرائح كبيرة من الأمة الإسلامية، ولما تملك من قدرات مالية وإعلامية وسياسية كبيرة. كما تأتي أهمية الدعوة للحوار في هذا الوقت الذي تحاول قوى استعمارية عديدة إشعال حروب طائفية بين المسلمين وإشعالهم عن الوجود الأجنبي في بلادهم ، وصرف أنظارهم عن عمليات نهب ثرواتهم والتلاعب بمقدراتهم، حيث تأتي دعوة الحوار خطوة نحو إفشال المؤامرات الاستعمارية الساعية لتفتيت وحدة المسلمين.
وانطلاقا من ذلك ، وسعيا لإنجاح عملية الحوار بين المسلمين، قبل البدء به مع غير المسلمين، نرى أن الحوار يقتضي:
1- التعرف على الآخرين معرفة موضوعية بعيدة عن التشويش الإعلامي والصور المغرضة الجاهزة المشحونة بالخرافات والأساطير والمعدة في غرف التعبئة العسكرية في أيام الحروب والتوترات السياسية السابقة، والاعتراف بالأخطاء الذاتية والنقاط السلبية الخاصة قبل البحث عن عيوب الآخرين والتشهير بهم. والبحث عن نقاط الالتقاء المشتركة ووضعها في مكانها الطبيعي وعدم تضخيم نقاط الاختلاف.
2- توفير الحرية الإعلامية والسياسية لجميع المدارس والطوائف والأحزاب للتعبير عن رأيها بصورة كاملة، والاستعداد للاستماع إلى وجهات نظرها في نقاط الاختلاف.
3- تهيئة الأجواء المناسبة للحوار العلمي الهادئ في الجامعات والمعاهد الدينية، وفتح المجال أمام الأساتذة والطلاب من مختلف المذاهب والمدارس الفكرية لطرح أفكارهم ومناقشتها بروح علمية رياضية، وتربية الجيل الجديد على التعددية الفكرية، بما يمنع من الغرور الأعمى واحتقار الآخرين والتعصب لوجهة نظر واحدة.
4- فتح المساجد ودور العبادة لجميع المسلمين من دون تمييز مذهبي، والسماح بالصلوات المشتركة خلف الجميع.
5- احترام جميع المذاهب الإسلامية، وعدم السماح بالتضليل والتفسيق والتكفير من أي طرف لأي طرف ، وتجريم عمليات التكفير التي يقوم بها البعض بحق بعض الطوائف بصورة عامة ، أو على أساس الشبهات، أو التفسيرات الضيقة للدين.
وبهذه المناسبة نود أن نلفت عناية القائمين على مؤتمرات الحوار، إلى الأصوات المضادة التي ما فتئت تنطلق من بعض مراكز الإفتاء في المملكة العربية السعودية، والتي تحاول إجهاض دعوات الوحدة والتقريب والحوار بين المسلمين، وتثير التفرقة والكراهية والعداوة بينهم، وتقوم بتكفير طوائف من المسلمين وخاصة الشيعة، وكان آخر ما صدر من تلك المراكز بيان وقعه اثنان وعشرون شيخا من شيوخ المملكة، وبعضهم أعضاء في هيئة كبار العلماء، مثل الشيخ عبد الله بن جبرين وعبد الرحمن البراك ، وعبد الله التويجري وعبد الله السليمان ، وناصرالعمر، وذلك تحت عنوان:”اعرفوهم (الشيعة) واحذروهم“. ذلك البيان الذي خلط بين مختلف فرق الشيعة عبر التاريخ، ونسب إليهم عموما كل ما حدث من فتن ومعارك وإحن، ليوجه إليهم تهما عامة ويخلص إلى القول:”إنهم يظهرون الرفض ويبطنون الكفر المحض، وأن شركهم أغلظ من شرك المشركين. وأن طائفة الشيعة الرافضة شر طوائف الأمة وأشدهم عداوة وكيداً لأهل السنة والجماعة“.
وللعلم فان الشيخ ابن جبرين كان قد أصدر فتوى إبان العدوان الإسرائيلي على لبنان صيف العام 2006 يحرم فيها الدعاء لحزب الله الذي كان يقاتل دفاعا عن لبنان، بدلا من الدعوة لنصرته والانخراط معه في المقاومة والتصدي للعدوان.
ثم أصدر الشيخ عبد الرحمن بن براك في 26 /11/1427 هـ 17 / 12 / 2006فتوى يكفر فيها من أسماهم “عوام الرافضة” واصفا إياهم بأنهم “كفار مشركون، وأن الحكم عام لطائفتهم” محذرا منهم ومن “الاغترار بما يدعونه من الانتصار للإسلام”، ومضيفا :”بأن خطرهم على المسلمين أعظم من خطر اليهود والنصارى”. ورافضا لأي حوار أو تقريب بين أهل السنة والشيعة بدعوى: “أن مذهب أهل السنة ومذهب الشيعة ضدان لا يجتمعان”.
وجاءت تلك الفتوى امتدادا لفتاوى قديمة أصدرتها اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ، تحت رقم 1661 ورقم 2008 والقاضية بتكفير الشيعة بصورة عامة، بالرغم من اعتراف اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء بأن الشيعة فرق كثيرة منها الغلاة وغير الغلاة (حسبما جاء في الفتوى رقم 7308 ) .
ومن هنا نعتبر مؤتمر الحوار العالمي الإسلامي منعطفا مهما في العلاقات الداخلية والخارجية، واستبدال منطق التكفير بمنطق الحوار.
وإذا كان المؤتمر يتوجه للعالم برسالة الحوار القائمة على العدل والتفاهم والإنصاف فان من الأولى القيام بالحوار على أسس موضوعية بين المسلمين من أجل تمتين صفوفهم وتعزيز وحدتهم وحل مشاكلهم.
ولذلك نأمل من عاهل المملكة العربية السعودية، والأمين العام لرابطة العالم الإسلامي فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي، المبادرة إلى مكافحة فتاوى التكفير ضد أبناء الأمة الصادرة من بعض مراكز الإفتاء في المملكة، ومن أي طرف آخر، واقتلاع ثقافة الكراهية والعنف، وذلك بتجريم إصدار مثل تلك الفتاوى، وإدانتها، واستبدالها بثقافة الاخوة والمحبة والاحترام ، من أجل إنجاح مشروع الحوار الحضاري العالمي بين مختلف الأديان والثقافات والفلسفات.
وختاما لا بد أن نحيي موقف مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي الذي انعقد أخيرا في جدة بتاريخ 31/5/ 2008 والذي أكد على تعدد المذاهب الإسلامية وضرورة الحوار بين أتباعها. وقال إن جميع المذاهب تؤمن بالدين الإسلامي وأركانه وما هو معلوم من الدين بالضرورة، وذلك يقتضي صحة الحكم بإسلامها وحرمة دماء أتباعها وأعراضهم وأموالهم. وندد بالجرأة على التكفير والفتوى من غير المؤهلين الذين يلقون الأحكام جزافا من دون مستند شرعي أو دليل.
أحمد الكاتب
رئيس جمعية الحوار الحضاري،
لندن في 24 /6/ 2008
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























